محمد بن عبد الملك الديلمي
47
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية
العارف أبو علي أحمد بن محمد الروذباري « 1 » : بضم الراء وسكون الواو ودال مهملة وموحدة مفتوحة وآخره راء - كان من أئمة الصوفية ، وعلماء الشافعية ، ساد أهل ذلك المذهب في زمانه ، حتى صار أمثلهم طوع مرامه ، وقوسا في يده يرمي بها إلى غرضه بسهامه ، وهو بغدادي الأصل من أبناء الوزراء والرؤساء ونسبه متصل بكسرى ، وكان عالما محدثا صوفيا ، وصحب في التصوف الجنيد والفقيه ابن سريج ، والحديث إبراهيم الحربي ، والنحو جماعة منهم ثعلب - وكان يفتخر بذلك - أقام بمصر وصار فقيها ومحدثها وصوفيّها بقصد الأخذ عنه من جميع الآفاق ، وأتاه جمع من الفقراء فاعتل منهم واحد فأمر أصحابه بخدمته فملوا ، فحلف ألّا يخدمه غيره فخدمه بنفسه حتى مات فدفنه ، فلما أراد فتح رأس كفنه ليضجعه مستويا فتح عينيه وقال : يا أبا علي ، لأنصرك بجاهي يوم القيامة كما نصرتني بمخالفة نفسك . وقال : دخلت مصر فرأيت الناس مجتمعين ، فقالوا : كنا بجنازة فتى سمع قائلا يقول : كبرت همّة عين * طمعت في أن تراكا فشهق فمات . وقال : اتخذ رجل ضيافة ، فأوقد فيها ألف سراج فقال له رجل : أسرفت . قال : ادخل ، فكل ما أوقدته لغير اللّه فاطفئه ، فدخل فلم يقدر على إطفاء واحد منها فانقطع ، ومرّ يوما على الفرات - وقد عرضت لنفسه شهوة السمك - فقذف الماء سمكة نحوه ، وإذا برجل يعدو ويقول : أشويها لك فشواها له وأكلها . ومن فوائده : الإشارة الإبانة عما تضمنه الوجد من المشار إليه ، وفي الحقيقة الإشارة تصحبها العلل ، والحلل بعيدة من الحقائق . وقال : لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد لم يبق محبا إلا مات حالا . وقال : والأهم قبل أفعالهم وعاداهم قبل أفعالهم ثم جازاهم بأفعالهم . وقال : المريد من لا يريد لنفسه إلا ما أراد اللّه له ، والمراد لا يريد من الكونين شيئا غيره .
--> ( 1 ) انظر : طبقات الصوفية ( 354 ) ، طبقات الأولياء ( 50 )